ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
540
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
ولو كانا صاحبا جمع وبعين واحدة ، فإن الأول يرى الحق ولا يرى نفسه ، والثاني يرى نفسه ولا يرى الحق ، فالفرق بينهما شتان ، وهما مسيحان ، ولكن الأول مسيح الرحمن ، والثاني مسيح الشيطان ، وبالموت يحصل الكمال ، وهو الجمع بين المشهدين فيسمّى ذا العينين . قال تعالى : فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ ق : 22 ] ، يرى بالحق الجمع بعين الفرق ، ويرى الفرق بعين الجمع ، ولا يمنعه شهود أحدهما عن الآخر ، فهو فان عن النفس ، وباق بالعين ، فهو ذو العينين الذي هداه اللّه النجدين . قال رضي اللّه عنه في « الفتوحات » : إن أعظم الفتن التي أفتن اللّه بها الإنسان تعريفه إياه بأنه خلقه على الصورة ؛ ليرى هل تقف مع عبوديته وسواد وجهه ، أو يزهو الأجل مكانه ومكانته ؟ إنه تعالى ما أظهر الصورة على الكمال : أي بخرق حجاب سر الجمعية العامة الكبريائية ، حتى يشاهد ألوهية الحق سبحانه دون ألوهيته ، فإن الصورة الكاملة الإلهية لا يلحقها ذم بكل وجه ، وهذا لا يكون إلا عند فناء الفناء ، فيبقى وجه ربك ، فهو المتكلم والمؤثر على لسان عبده وبعبده ، وهو فان عن نفسه وذاته ، كما أخبر عنه صلى اللّه عليه وسلم عن هذا المقام بقرب الفرائض عندهم ، وهذا أول قدم في الشريعة ، فإن الشارع أول ما أتى به : ( لا إله إلا اللّه ) ، فلا يجيبه إلا من خرق ذلك الحجاب ، ومن نقص عن هذا المقام الكمالي فلحق بفرعون ودجال ، وكان في حقه مكرا إلهيّا من حيث لا يشعر ، فافهم . وأمّا اعتبار نزول عيسى عليه السلام في الأنفس هو ظهور الروح الأعظم ، وظهور أحكامه عند قرب الساعة للسالك ، فبينما يكون السالك في هرج ومرج في أمواج الفتن ، كالحال كرؤية الألوهية لنفسه ، وإظهار خوارق العادات والتأثير في الأرض والسماوات ، إنها فتنة عمياء صماء ؛ لأن آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الجاه ، فإذا بعث اللّه الروح روح وراحة ، فبشهوده حسم الخصومات وخصم الشهوات ، وترفع الشحناء والتباغض ، وتنطفئ نيران غلبة النفس وشهواتها باستيلاء النفس الروح عليها ، واندراجها واندماجها فيه ، فإنه لها برد وسلام . وأشار في الحديث مثل هذا ، فإنه ورد في الحديث الطويل :